فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
وذلك كفر . فإن قيل : يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ . قلنا : لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك ، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك ، بل كان بسبب إطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل ، فيقول : متى يقلبه الله ذهباً ، أو ياقوتاً ، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى ، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات ، فكذا هاهنا . الوجه الثاني : قالوا : إنه تعالى قال في حقه * ( فلما تبين له ) * وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلاً له وهذا أيضاً ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلاً له قبل ذلك ، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلاً فهو ممنوع . الوجه الثالث : أنه قال : * ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) * وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وأنه كان خالياً عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت ، وهذا أيضاً ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق ، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت ، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلاً قبل ذلك . الوجه الرابع : لهم أن هذا المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضاً ، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ، فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم . وحجة من قال : إنه كان مؤمناً وكان نبياً وجوه الأول : أن قوله * ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) * يدل على أنه كان عالماً بالله ، وعلى أنه كان عالماً بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة . الحجة الثانية : أن قوله * ( كم لبثت ) * لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير : قال الله تعالى : * ( كم لبثت ) * فقال ذلك الإنسان * ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) * فقال الله تعالى :